المزارعون يبتلعون الخسائر بفعل استيطان الأسواق

المزارعون يبتلعون الخسائر بفعل استيطان الأسواق

فتح ميديا - رام الله:

لم تكن جائحة كورونا وما صاحبها من إغلاقات وتراجع في القوة الشرائية، السبب الوحيد في خسارة كثير من المزارعين الفلسطينيين، بل ساهم في ذلك أيضا تهريب المنتجات الزراعية من المستوطنات ودولة الاحتلال الإسرائيلي إلى الأسواق الفلسطينية في الضفة الغربية.

محمد بشارات، مواطن فلسطيني من بلدة طمون في الأغوار الشمالية يعمل مزارعا منذ نعومة أظفاره، ويزرع عدة محاصيل مثل: الخيار والطماطم والشمام والبصل وغيرها، وفي كل عام يتعرض واحد على الأقل من تلك المحاصيل لخسارة كبيرة، بسبب منتجات المستوطنات.

ويقول بشارات لموقع “زوايا“: “إن المنتجات الزراعية المهربة من المستوطنات أو المستوردة من جهة الاحتلال تغزو أسواقنا عند ذروة إنتاجنا، مما يتسبب بخسائر فادحة للمزارعين، وبالتالي تجبر المزارع على ترك أرضه”.

برمجة الاستيلاء على الأرض

ويضيف بشارات إن منتجات المستوطنات هي سياسة مبرمجة من الاحتلال، حتى تسهّل على المستوطنين الاستيلاء على أراضي المواطنين، بحجة أنها أرض بور غير مستخدمة.

ويوضح أن الطن الواحد من البطاطا يكلف المزارع 5 آلاف شيقل، لكن عندما تغزو البطاطا الإسرائيلية السوق المحلي، يصبح سعر الطن 3 آلاف شيقل، أي سيخسر المزارع ألفي شيقل في الطن، وإذا كان يزرع مئات الدونمات من هذا الصنف ستصل خسائره إلى مئات الآلاف أو ملايين الشواقل، وبالتالي لن يكرر زراعة المحصول مما يفسح المجال أمام المنتج الإسرائيلي ليحل مكانه.

إلى جانب ذلك، يبيّن بشارات حجم المضايقات الإسرائيلية والاستيطانية التي يتعرض لها، قائلا: “أزرع 450 دونما على الأقل في سهل البقيعة في الأغوار، وهي مناطق مصنفة (ج) ويعتبرها الاحتلال مناطق عسكرية للتدريب، فتداهمنا قوات الاحتلال يوميا لمنعنا من زراعتها، إضافة إلى أن المستوطنات تتوسع وتأكل من الأراضي الزراعية، حيث يجري إنشاء بؤر استيطانية جديدة على أراضينا”.

ويشير إلى أن بلدته طمون تبلغ مساحة أراضيها في الأساس 98 ألف دونم، لكن تمت مصادرة 67 ألف دونم منها، ويخطط الاحتلال للاستيلاء على الـ31 ألف دونم المتبقية.

أين خطة العنقود الزراعي؟

ويؤكد بشارات أنه وأسرته المكونة من 15 فردا يخوضون حربا مفتوحة كل يوم على الأرض، فيما “تأتي الحكومة الفلسطينية مشكورة لالتقاط الصور وتسمعنا شعارات رنانة وتذهب”، وفق قوله.

وتساءل بشارات “أين خطة العنقود الزراعي؟”، الذي تحدث عنه رئيس الوزراء محمد اشتية عندما استلم رئاسة الوزراء؟ وماذا عملت الحكومة على أرض الواقع بهذا المشروع؟.

وأطلقت الحكومة الثامنة عشر برئاسة اشتية خطة تنمية قصيرة الأجل تبلغ تكلفتها المالية 245 مليون دولار  تستهدف الانفكاك التدريجي عن اقتصاد الاحتلال الإسرائيلي، ويقع في صلبها الخطة مشروع العناقيد الزراعية في مناطق: طوباس، جنين، طولكرم، وقلقيلية.

وبدأ تطبيق خطة  العناقيد الزراعية مطلع أيلول/سبتمبر 2019 بهدف زراعة كل قطعة أرض قابلة للزراعة في قلقيلية، ورصدت الحكومة لذلك مبلغا قدره 23 مليون دولار.

وبحسب جلسة مجلس الوزراء في 18 كانون ثاني/يناير الماضي، فقد اعتمد خطة تنمية العنقود الزراعي بمحافظة سلفيت لثلاثة أعوام بتكلفة تقدر بـ30 مليون دولار، فيما بلغ عدد العناقيد الزارعية ستة، والتي يجري تطبيقها في مناطق الضفة المختلفة.

والخطة تعتبر استكمالا لقرار أصدره رئيس السلطة محمود عباس يحمل رقم (4) لسنة 2010م، بشأن حظر ومكافحة منتجات المستوطنات، وهدف إلى تحقيق ما يلي:

أولا: مكافحة منتجات وخدمات المستوطنات المقامة على الأراضي الفلسطينية.

ثانيا: تحقيق الجهود الوطنية التي تبذلها القيادة السياسية لإزالة المستوطنات كلياً من الأراضي الفلسطينية، من خلال مكافحة ومقاطعة منتجات وخدمات المستوطنات وإحلال المنتجات الوطنية محلها.

ثالثا: عدم تشجيع أو ترويج إقامة المصانع في المستوطنات المقامة على الأراضي المحتلة عام 1967م.

رابعا: بناء اقتصاد وطني مستقل في الأراضي الفلسطينية.

خامسا: رصد السلع والخدمات التي تعتبر منتجات مستوطنات وضبطها ومقاطعتها ومكافحة وحظر تداولها.

سادسا: دعم الاقتصاد الوطني الفلسطيني وتوفير فرص تسويقية أفضل للسلع والبضائع الفلسطينية، وتوعية المواطنين بشأن الآثار السلبية الناتجة عن تداول منتجات المستوطنات.

قرارات بلا متابعة

من جانبه، يقول رئيس اتحاد المزارعين عباس ملحم: “مشكلة إغراق المناطق الفلسطينية بالمنتجات الزراعية من الجانب الإسرائيلي والمستوطنات أنها تكون في ذروة الإنتاج المحلي، مما يؤدي إلى تدني أسعار المنتج المحلي بشكل كبير، ويسبب خسائر كبيرة في أوساط المزارعين”.

وخلال تصريح له، ضرب ملحم مثالا بما يحدث في موسم البطاطا حيث تعج الأسواق الفلسطينية بالبطاطا الإسرائيلية أو المهربة من المستوطنات، وتكون غير خاضعة للفحص، وتباع بأسعار زهيدة (3 أكياس بـ10شيقل).

ويقول: “هذا يضرب الاقتصاد الفلسطيني وعصب المنتج الفلسطيني، ويدفع المزارع لبيع منتجه بأقل من سعر التكلفة بالتالي خسارته”.

وطالب ملحم الحكومة بأخذ قرارات جادة نحو “منع إغراق السوق بمنتجات قادمة من المستوطنات ومن الاحتلال الإسرائيلي، خاصة في ذروة الإنتاج الفلسطيني لها”.

واعتبر ملحم أن وزارة الزراعة لا تتابع قراراتها في محاربة منتجات المستوطنات، قائلا: صحيح أن وزارة الزراعة تقول إنها تحارب منتجات المستوطنات ولا تمنح أذونات استيراد البطاطا من إسرائيل في ذروة إنتاجها فلسطينيا، لكن ذلك غير كافٍ، لأن المطلوب ليس فقط إصدار القرار بعد الاستيراد، وإنما متابعة تنفيذه على أرض الواقع.

وأضاف: “المطلوب مراقبة الأسواق والتأكد من خلوها من الأصناف التي يوجد فيها ذروة إنتاج محلي، وإذا لم يحدث ذلك يصبح القرار لا قيمة له”.

ورأى أنه يمكن تعويض النقص في الأصناف الزراعية في الضفة الغربية من خلال الشراء من قطاع غزة أو الاستيراد من الخارج.

وأكد ملحم أن بعض المزارعين قاموا بإتلاف محاصيلهم، بسبب تدني الأسعار، لأن إكمال إنتاجها يعني مزيدا من الخسارة، فمثلا تم إتلاف محصول البصل في أرضه قبل حصاده العام الماضي، لأن حصاده سيكلف المزارع مبالغ إضافة في ظل تدني سعره.

الزراعة: نحارب منتجات المستوطنات

وفي رده على الاتهامات الموجهة لوزارة الزراعة، قال مدير عام التسويق في وزارة الزراعة أحمد حجاج، إن الوزارة تمنع إدخال منتجات المستوطنات للسوق الفلسطيني، وفيما يتعلق بالمنتجات الزراعية الإسرائيلية “لا تصدر الوزارة أي تصاريح استيراد بالأصناف التي يوجد لها بديل فلسطيني خاصة في وقت ذروة إنتاجه”.

وأضاف: “الوزارة تصدر قرارات بمنع استيراد محاصيل الخضار أثناء موسمها لحين نفاذ الإنتاج الفلسطيني، وكان آخرها البطاطا والليمون، بالإضافة إلى حظر استيراد الدواجن وبعض المحاصيل الزراعية على مدار العام مثل الطماطم والخيار”.

وأوضح أنه يتم تعميم قرار حظر الاستيراد على الرقابة الزراعية والضابطة الجمركية وكافة جهات الاختصاص.

أرقام صادمة

وفي ردها على حجم الواردات الزراعية من الاحتلال الإسرائيلي إلى السوق الفلسطيني، أوضحت وزارة الاقتصاد في تصريح له، أن الواردات الفلسطينية من المنتجات الزراعية النباتية الإسرائيلية بلغت في عام 2019، 299 مليون دولار، بما نسبته 74% من إجمالي الواردات الزراعية إلى فلسطين، والبالغة 406 مليون دولار.

في حين بلغت قيمة صادرات المنتجات الزراعية النباتية الفلسطينية إلى السوق الإسرائيلي في 2019، نحو 43 مليون دولار، أي ما نسبته 48% من إجمالي الصادرات الزراعية الفلسطينية، البالغة 90 مليون دولار.

ويدل ذلك على الفارق الكبير في التبادل التجاري للمنتجات الزراعية مع الاحتلال الإسرائيلي، والتي تقدر بسالب 256 مليون دولار لصالح الاحتلال، كما تظهر شدة التبعية الاقتصادية للاحتلال سواء في الاستيراد أو التصدير.

ووصل حجم الفواكه والخضار الإسرائيلية الواردة للسوق الفلسطيني إلى حدود 165 مليون دولار عام 2019، كما قالت الوزارة.

وبيّنت الوزارة أن الواردات الفلسطينية من المنتجات الزراعية (حيوانات حية) الإسرائيلية بلغت في العام ذاته 139 مليون دولار، بما نسبته 83% من إجمالي الواردات الفلسطينية من هذه المنتجات، البالغة 168 مليون دولار.  بينما لا توجد أي صادرات زراعية (حيوانات حية) فلسطينية خلال العام.

وأوضحت الوزارة أنّ مساهمة قطاع الزراعة الفلسطيني في الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة، بلغت في العام 2019 نحو 7%، فيما بلغت مساهمة القطاع الزراعي في التشغيل (القوى العاملة) 6.1% في العام ذاته.